الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

165

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفي أحكام ابن الفرس أن عبد اللّه بن عمر قال : « من كان خائفا من الاحتيال عليه فليس بآمن ولا تجوز إذايته بالامتناع من مكالمته » . وقال فريق : هو حكم محكم غير منسوخ ، فقال فريق منهم : قوله : وَمَنْ دَخَلَهُ يفهم منه أنّه أتى ما يوجب العقوبة خارج الحرم فإذا جنى في الحرم أقيد منه ، وهذا قول الجمهور منهم ، ولعلّ مستندهم قوله تعالى : وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [ البقرة : 194 ] أو استندوا إلى أدلّة من القياس ، وقال شذوذ : لا يقام الحدّ في الحرم ، ولو كان الجاني جنى في الحرم وهؤلاء طردوا دليلهم . وقد ألممنا بذلك عند قوله تعالى : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ [ البقرة : 191 ] . وقد جعل الزجّاج جملة وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً آية ثانية من الآيات البيّنات فهي بيان ل ( آيات ) ، وتبعه الزمخشري ، وقال : يجوز أن يطلق لفظ الجمع على المثنّى كقوله تعالى : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [ التحريم : 4 ] . وإنّما جاز بيان المفرد بجملة لأنّ هذه الجملة في معنى المفرد إذ التّقدير : مقام إبراهيم وأمن من دخله . ولم ينظر ذلك بما استعمل من كلام العرب حتّى يقرّب هذا الوجه . وعندي في نظيره قول الحرث بن حلزة : من لنا عنده من الخير آيا * ت ثلاث في كلهنّ القضاء آية شارق الشقيقة إذ جا * ءت معدّ لكلّ حيّ لواء ثم قال : ثمّ حجرا أعني ابن أم قطام * وله فارسية خضراء ثم قال : وفككنا غلّ امرئ القيس عنه * بعد ما طال حبسه والعناء فجعل ( وفككنا ) هي الآية الرابعة باتّفاق الشرّاح إذ التقدير : وفكنّا غل امرئ القيس . وجوّز الزمخشري أن يكون آيات باقيا على معنى الجمع وقد بيّن بآيتين وتركت الثّالثة كقول جرير : كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم * من العبيد وثلث من مواليها